أبو الحسن العامري

436

رسائل أبو الحسن العامري

الحكمة التي هي علم الحق والعمل بالحق « 37 » . فيجول طالبا لبقائها ، ناظرا وباحثا عن حقيقة ذلك ؛ حائرا إلى أن يبلغ - بفرط العناية وجودة الفحص وحسن مشاورة العقل - إلى الحدّ الذي يفصح له بأن النفس ليست تابعة للمزاج ولا حادثة بالأخلاط بل هي مستتبعة للمزاج ومقوّمة للأخلاط بوكالة الطبيعة « 38 » التي هي ظلّ لها وقوة من قواها ؛ وأن النفس ليس لها استعانة بالبدن ، ولا بشيء منه ؛ وأنها خالصة لا شوب فيها ، وقائمة بجوهرها ، غنيّة بعينها عما يفسدها ويحلّلها ، ويتخوّنها ، ويؤثر فيها . وكيف يكون ذلك وهي لا تنفعل البتة ؟ . فبهذا وأشباهه ينفتح للانسان أن النفس يمكن أن يطلب علم حالها ، بعد مفارقة البدن ، بالأمر الطبيعي والسبب الضروري . فقد تجلى وانكشف أن البحث عن ذلك ليس بحثا عن عدم مطلق بل ( هو بحث عن ) أحوال منزّلة ، مشهورة ، مرتّبة ، محدودة ؛ بل هو بحث عما تتصوّر غايته ويطمأن اليه ، تارة بالبرهان المنطقي وتارة بالدليل العقلي وتارة بالإيماء الحسيّ والأمر الالهيّ « 39 » . ثانيا - [ مقالة في العقل ] إن الحسّيّات معابر إلى العقليات . ولا بدّ لنا - ما دمنا باحثين عن حقائق العقل ، ولا نقدر على أن نخلص إلى عالمه دفعة واحدة - من سبل نسلكها ، ومثل نستصحبها ، وشواهد نستنطقها ونثق بها . ولو أمكننا الخلوص إلى عرصات العقل وبلاده لكان التفاتنا إلى الحواس فضلا . إلا أننا متى أخذنا الأمثلة من الحواس فليس يجب أن نتشبّث بها كلّ التشبث ؛ بل الذي يحكم به العقل ، ويقتضيه الحزم ، أن نأخذ الأمثلة من الحسّ . فإذا وصلنا إلى العقل حينئذ فارقناها أغنياء عنها ؛ مستريحين منها ، ومن تموّجها واضطرابها . ولمّا كنّا بالحسّ - في أصل الطبيعة - لم ننفك منه ؛ ولمّا كنا بالعقل - في أول الجوهر - لم نجهل فضله . فلهذا ما استغنى بالحسّ ولم يقض به ، ووصلنا إلى العقل ولم نمتر عليه . ( وهذا اقتضاه قول عرض في جملة كلامه وذلك أنه قال ) : في كلّ محسوس ظلّ من المعقول ، وليس في كلّ معقول ظلّ من الحسّ . ومتى وجدنا شيئا في الحسّ فله أثر عند العقل ، به وقع التشبه ، واليه كان التشوق ، وبه حدث الفرار . والانسان متى لم يخلع

--> ( 37 ) قارن هذا النص مع قول الكندي في رسالته إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى : « غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق » . ( رسائل الكندي الفلسفية ، ج 1 ، ص 97 ) . ( 38 ) ص : الطبيعية . ( 39 ) ص : الهي . ( أبو حيان التوحيدي : المقابسات ، ص 116 - 117 ) .